محمد بن جرير الطبري

29

جامع البيان عن تأويل آي القرآن

القول في تأويل قوله تعالى : * ( أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم وإن الظالمين لهم عذاب أليم ) * يقول تعالى ذكره أم لهؤلاء المشركين بالله شركاء في شركهم وضلالتهم شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله يقول : ابتدعوا لهم من الدين ما لم يبح الله لهم ابتداعه ولولا كلمة الفصل لقضي بينهم يقول تعالى ذكره : ولولا السابق من الله في أنه لا يعجل لهم العذاب في الدنيا ، وأنه مضى من قيله إنهم مؤخرون بالعقوبة إلى قيام الساعة ، لفرغ من الحكم بينكم وبينهم بتعجيله العذاب لهم في الدنيا ، ولكن لهم في الآخرة من العذاب الأليم ، كما قال جل ثناؤه : وإن الظالمين لهم عذاب أليم يقول : وإن الكافرين بالله لهم يوم القيامة عذاب مؤلم موجع . القول في تأويل قوله تعالى : * ( ترى الظالمين مشفقين مما كسبوا وهو واقع بهم والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك هو الفضل الكبير ) * . يقول تعالى ذكره لنبيه محمد ( ص ) : ترى يا محمد الكافرين بالله يوم القيامة مشفقين مما كسبوا يقول : وجلين خائفين من عقاب الله على ما كسبوا في الدنيا من أعمالهم الخبيثة . وهو واقع بهم يقول : والذين هم مشفقون منه من عذاب الله نازل بهم ، وهم ذائقوه لا محالة . وقوله : والذين آمنوا وعملوا الصالحات في روضات الجنات يقول تعالى ذكره : والذين آمنوا بالله وأطاعوه فيما أمر ونهى في الدنيا في روضات البساتين في الآخرة . ويعني بالروضات : جمع روضة ، وهي المكان الذي يكثر نبته ، ولا تقول العرب لمواضع الأشجار رياض ومنه قول أبي النجم . والنغض مثل الأجرب المدجل * حدائق الروض التي لم تحلل